ظلم المصطبة دراما «كسرت النمطية» نافذة مفتوحة على المجتمعات المغلقة

مسلسل (ظلم المصطبة) من الأعمال القليلة فى تاريخ الدراما المصرية اللى صورت الأرياف بشكل واقعى بعيدا عن تصور العصور الوسطى والتناول النمطى للبيئة وللشخصيات.
عمل فنى متكامل ناقش قضايا معقدة جدًا خاصة بالمرأة فى الأقاليم.. العنف، التمييز، الظلم، القهر، قلة الحيلة، اللجوء لحلول غير قانونية تاخذ كالبشعة والجلسات العرفية.
عنوان المسلسل مأخوذ من المثل القائل «ظلم المصطبة ولا عدل المحكمة»، وهو ما حاول المسلسل مناقشته. كيف أن الاعراف بتاخد قوة اكبر من قوة القانون.. كيف تعاقب من غير أن ترتكب اى جرم.
قدم المسلسل نموذجًا آخر من الدراما الاجتماعية التى عكست واقعاً موجوداً، حيث تتشابك قصص الحب، النفوذ، والتقاليد فى بيئة ريفية مغلقة. العمل طرح تساؤلات حول مدى تأثير العادات على حياة الأفراد، خاصة عندما تتحول هذه العادات إلى سلاح للظلم والقهر.
«المصطبة» ليست مجرد مكان للجلوس، بل تمثل فى التراث المصرى رمزًا للحكم العرفى والنقاشات الريفية . اختيار العنوان «ظلم المصطبة» يحمل دلالة قوية على أن القرارات التى تُتخذ فى العلن، أمام الناس، قد تكون ظالمة، خاصة عندما تحكمها المصالح والنفوذ بدلًا من العدل.
«ظلم المصطبة» لم يكن مسلسل عن الحب والانتقام، بل هو انعكاس لصراع طويل داخل المجتمعات التقليدية بين من يملك السلطة ومن يحاول استعادة حقوقه. طرح العمل أسئلة أكثر مما قدم إجابات، وهو ما يجعله تجربة درامية قوية أجبرت المشاهد على التفكير والتساؤل حول واقعه.
واعتمد المسلسل على حبكة تقليدية لكنها قوية، حيث تصارع الأبطال على الحب والسلطة ضمن إطار اجتماعى واقعي. شخصية حسن، التى لعبها إياد نصار، تمثل الرجل الذى يسعى للعدل واسترداد حقه، بينما جسد فتحى عبدالوهاب فى دور حمادة شخصية المتسلط الرجعى والمريض بالسيطرة على كل من حوله بأى وسيلة. أما الشيخ علاء، اخوه الذى لعبه أحمد عزمي، فهو نموذج لرجل الدين الذى يستخدم الدين كأداة للسيطرة. هذا التوازن فى الشخصيات خلق صراعا دراميا مشوقًا، عكس واقعًا اجتماعيًا متشابكًا.
اعتمد المخرج محمد على تقديم أجواء واقعية باستخدام مواقع تصوير حقيقية، مما يجعل المشاهد أكثر تصديقًا للأحداث. اختيار الزوايا الضيقة فى التصوير عكس الاختناق الذى تعيشه الشخصيات، خاصة حسن، الذى يبدو محاصرًا من كل الجهات.
الإخراج، اعتمد على تقديم بيئة ريفية حقيقية بأدق تفاصيلها، من خلال التصوير فى مواقع طبيعية تضفى مصداقية على الأحداث. الإضاءة والتصوير عكسان الأجواء القاتمة التى تسيطر على القصة، مما عزز الإحساس بالظلم والصراع الدائر بين الشخصيات.
طرح المسلسل العديد من القضايا منها تأثير الأعراف الريفية: كيف يمكن أن تتحكم القوانين العرفية فى حياة الأفراد؟ استغلال الدين فى السلطة.
الانتقام والعدالة هل الانتقام هو الحل لاسترداد الحقوق، أم أن هناك طرقًا أخرى لتحقيق العدل؟
من خلال احدا ث سيناريو ظلم المصطبة نجد انه ليس مجرد مسلسل درامي، بل هو مرآة تعكس واقعًا اجتماعيًا حقيقيًا ما زال قائمًا فى بعض المناطق. بفضل حبكته القوية، وشخصياته المتقنة، ورؤيته الإخراجية الواقعية.
استطاع مؤلف المسلسل ان يوجهنا على نظرة مختلفة من حياة القرى والافراد داخل المجتمعات المغلقة
ظلم المصطبة نجح فى خطف المشاهدين والمتابعين من أول مشهد الجامع والتوتر الحاصل بدخول إياد نصار، نظرات عزمى وفتحى عبدالوهاب، لحد وقوف إياد جاذبة واقترابه بتماس القدمين، ثم ابتعاد فتحي.. مشهد واحد جعلنا أمام صراع بين صديقين صاروا أعداء بسبب حب امرأة والطمع.
فتحى عبدالوهاب هو مثال حى للفلاح الرجعى المتدين ظاهريا كأنه عاش معاهم، اياد نفس شكل الشاب بيسافر وبيرجع مجروح من الغربة، ريهام جسدت بكل قوتها الست المقهورة بس مش بفهموم الطبيخ والغسيل لا موظفة فى مصلحة وام بس التقاليد والاعراف مغروسة جواها وعارفة ان اهلها راضين ونظرتها كلها احساس بالظلم..
النجمة ريهام عبدالغفور بدأت التمثيل، مكانتش بالقوة اللى احنا رأيناها بالمسلسل .. وكان فيه تصور عند ناس كتير إنها دخلت المجال بس عشان والدها الفنان الكبير أشرف عبدالغفور.. لكنها استطاعت أن تثبت نفسها وموهبتها وقدرتها على امتصاص الشخصية للدرجة اللى بتجعل المشاهد مأثور بأدائها.
ريهام بقت واحدة من افضل الممثلات اللى يقدروا يذوبوا تمامًا فى أى شخصية .. تلبسها وتحس بيها كأنها عاشت حياتها فعلًا فى هذه البيئة. .. مش مجرد أداء تمثيلي،..لكنها بتعيش كل انفعال، وكل لحظة وكل تفصيلة بصدق يخليك تنسى ريهام وتصدق إنها الشخصية اللى بتجسدها فعلاً..
أداء ريهام الاستثنائى أنها نجحت رغم المهانة التى تتعرض لها هند جسديا ونفسيا وطعنا فيها، إلا أنها تحافظ على نظرة متحدية، وكأنها تدين ظالميها، هند القوية الشخصية، واثقة، لا تقبل ظلمها وتحاول اخذ حقوقها، تتحمل ولكن لا تستسلم، وربما يكون ذلك سبب معاناتها، وريهام عبّرت عن كل ذلك ببراعة، فى دور مرهق للغاية، ولكنه يستحق هذا التعب.
المسلسل يعبر عن صراع كابوسي، ولابد هنا من إشادة خاصة بكاتب سيناريو وحوار الحلقات الأولى محمد رجاء، واشترك معه فى كتابة الحلقات إسلام حافظ، فالبناء محكم، والصراع فى كل الخطوط.
ومن اقسى المشاهد كانت حلقة البشعة، بنشوف فعلا الظلم اللى بيقع فى بعض القرى وتحكم الرجل فى الست او تحكم الافكار والعادات حتى لو ضد الشرع والدين.
جمال القصة والسيناريو هنا يكمن فى الحبكة الجيدة، وتطوير الفكرة أو التيمة نفسها، لتناسب واقعاً جديداً العمل به جرعة تمثيل فى منتهى الرقى والجمال، إبداع كبير، يليق بأبطاله، والذين اعتدنا منهم على ذلك.
فتحى عبدالوهاب، الفنان الموهوب، ذو القدرات الفنية لعب دور الحاج حمادة، فى أداء ولا أروع، اداء حركى وصوتى وانفعالات وتقمص كبير للشخصية التقليدية المريضة بالتسلط والرجعية.
فتحى عبدالوهاب طوع أداءه ليتناسب مع هذا الخليط العجيب من المشاعر.. دون أى إخلال بالإطار العام للشخصية.
أما إياد نصّار فهو مبدع كعادته، والذى يؤدى أى دور أفضل من سابقه، ثبات فى الأداء الراقي، وتميز ورؤية جيدة فى انتقاء أدواره.
أحمد عزمى فاجأنى فى شخصية الشيخ علاء.. أداء مميز جدًا، ودور يُحسب له فى الحقيقة.
المخرج محمد علي، والكادرات فى منتهى الجمال والعظمة، عامل مشاهد بانورامية للأماكن التى يتم فيها تصوير الأحداث، بتشوف المحافظات والقرى من الأعلي، فى مشهد خلَّاب، يحسب للرؤية الذكية لصُنَّاع العمل.
الإضاءة، ما بين الظلمة والنور، وتصحيح الألوان، والأهم من كل ده اللهجة البحري، التى التزم بها أبطال العمل بشكل حقيقي، وكأنهم فعلاً من شمال المحروسة.
تتر ظلم المصطبة يعد واحدا من أجمل تترات المسلسلات فى السنوات الأخيرة، حيث جاء كمفاجأة حقيقية للجمهور، سواء من حيث جودة الكلمات والألحان أو التوزيع الموسيقى المؤثر. الأغنية حالك وحالي، التى كتبها ولحنها محمود الخطيب، تحمل طابعا شعبيا أصيلًا يناسب الأجواء الريفية التى تدور فيها الأحداث، بينما أضاف توزيع الوايلى بعدا موسيقيا عاطفيا يعكس أجواء القهر والصراع
القصة المسلسل من تأليف أحمد فوزى صالح، وسيناريو وحوار محمد رجاء، أما الإخراج فكان للمخرج محمد علي.